أبو الليث السمرقندي
536
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما ، وكان يدعو إلى الطعام من أهل مكة من أحبّ وأراد ، وكان يكثر مجالسة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويعجبه حديثه . فقدم ذات يوم من سفره وصنع طعاما ، ودعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى طعامه ، فأتاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما قدم الطعام إليه ، فأبى أن يأكل وقال : ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأني رسول اللّه ، وكان عندهم من العار أن يخرج من عندهم أحدهم قبل أن يأكل شيئا ، فألح على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأكل ، فلم يأكل ، فشهد بذلك عقبة ، فأكل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من طعامه ، وكان أبيّ بن خلف الجمحي غائبا ، وكان خليله ، فلما قدم أخبر ذلك ، فأتاه فقال : صبوت يا عقبة . فقال : لا واللّه ما صبوت ، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل من طعامي إلا أن أشهد له ، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم ، فشهدت ، فطعم . فقال له : ما أنا بالذي أرضى عنك أبدا حتى تأتيه ، فتبزق في وجهه ، وتشتمه وتكذبه ، ففعل ذلك « 1 » . فنزلت هذه الآية : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ يعني : عقبة عَلى يَدَيْهِ يعني : على أنامله . وروي عن أنس بن مالك أنه قال : يعض عقبة بن أبي معيط على يديه يوم القيامة ، فيأكل لحم يديه حتى يبلغ العضد من الندامة ، وهو يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يعني : اتخذت طريق الهدى ، وكنت معه على الإسلام . قوله عز وجل : يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا يعني : أبيّ بن خلف . ويقال : إنما قال فُلاناً ولم يذكر اسمه لحقارته لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ يعني : عن الإيمان بَعْدَ إِذْ جاءَنِي أي حين جاءني ويقال : إنه لم يذكر اسمه ، لأنه دخل فيه جميع الظالمين ، لأن من صنع مثل هذا الصّنيع يكون هذا جزاؤه ، وقتل عقبة يوم بدر صبرا ، وقتل أبيّ بن خلف يوم أحد ويقال لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا ، يعني : الشيطان بدليل قوله عز وجل : وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا يعني : يتبرأ منه يوم القيامة ، ونزل فيه : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ الزخرف : 67 ] . ثم قال عز وجل : وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً يعني : متروكا لا يؤمنون به ، ولا يعملون بما فيه . وقال القتبي : يعني : جعلوه كالهذيان . ويقال : فلان يهجر في منامه ، أي يهذي . وقال مجاهد : يهجرون منه بالقول ، يعني : يقولون فيه بالقبيح ، فبين الشكاية من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الرب عز وجل ، ثم إن اللّه عز وجل عزّاه وأخبره أن الرسل من قبله كانوا يتأذون بقومهم ، فذلك قوله عز وجل : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ يعني : من المشركين ، فيهجرون الكتاب . ثم قال : وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً يعني : هادِياً إلى دينه من كان أهلا لذلك .
--> ( 1 ) عزاه السيوطي : 6 / 250 إلى ابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل .